أبو نصر الفارابي

110

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

الباصرة منها رسوم تلك في الهواء المضيء المواصل للبصر المنجاز بشعاع البصر . فإذا حصلت تلك الرسوم في الهواء عاد ما في الهواء ، فيرتسم من رأس في القوة الباصرة التي في العين ، وينعكس ذلك إلى الحاس المشترك وإلى القوة المتخيلة . ولأن هذه كلها متّصلة بعضها ببعض ، فيصير ، ما أعطاه العقل الفعّال من ذلك ، مرئيا لهذا الانسان . فإذا اتفق أن كانت التي حاكت بها القوة المتخيلة أشياء محسوسات في نهاية الجمال والكمال ، قال الذي يرى ذلك أن للّه عظمة جليلة عجيبة ، ورأى أشياء عجيبة لا يمكن وجود شيء منها في سائر الموجودات أصلا . ولا يمتنع أن يكون الانسان ، إذا بلغت قوته المتخيلة نهاية الكمال ، فيقبل ، في يقظته ، عن العقل الفعّال ، الجزئيات الحاضرة والمستقبلة ، أو محاكياتها من المحسوسات ، ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة ، ويراها . فيكون له ، بما قبله من المعقولات ، نبوة بالأشياء الإلهية . فهذا هو أكمل المراتب التي تنتهي إليها القوة المتخيلة ، وأكمل المراتب التي يبلغها الانسان بقوته المتخيلة « 1 » . ودون هذا : من يرى جميع هذه ، بعضها في يقظته ، وبعضها في نومه ؛ ومن يتخيل في نفسه هذه الأشياء كلها لا يراها ببصره . ودون هذا من يرى جميع هذه في نومه فقط . وهؤلاء تكون أقاويلهم التي يعبرون بها أقاويل محاكية ورموزا وألغازا وابدالات وتشبيهات .

--> ( 1 ) إذا كان ما يعطيه العقل الفعّال للمتخيلة معقولات شريفة وكانت تمثيلاتها في المتخيلة في نهاية الجمال والكمال قال الذي يراها إن له نبوة بالأشياء الإلهية .